مرتضى الزبيدي
218
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الملك : 1 ] ، صادق لأن العالم محكم في صنعته مرتب في خلقته ، ومن رأى ثوبا من ديباج حسن النسج والتأليف متناسب التطريز والتطريف ، ثم توهم صدور نسجه عن ميت لا استطاعة له أو عن إنسان لا قدرة له كان منخلعا عن غريزة العقل ومنخرطا في سلك أهل الغباوة والجهل . يكون بمعنى المقدور يقال قدر بالتخفيف وقدر بالتشديد ، وجائز في كلام العرب أن يقال قدر واقتدر بمعنى واحد مثل جذب واجتذب . ثم أقام المصنف الدليل على ذلك فقال : ( لأن العالم محكم في صنعته إحكاما عجيبا مرتب في خلقته ) ترتيبا غريبا ( ومن رأى ثوبا من ديباج ) . قال صاحب المصباح : هو ثوب سداه ولحمته إبريسم ، ويقال : هو معرب ( حسن النسخ والتأليف متناسب التطريز والتطريف ) يقال : طرز الثوب تطريزا إذا جعل له طرازا وهو العلم في الثوب والتطريف بمعناه . يقال : ثوب مطرف إذا كان من خزله أعلام وقد طرفه وأطرفه بمعنى ، ( ثم توهم ) أي ظن ( صدور نسجه ) وتأليفه ( عن ميت لا استطاعة له أو عن إنسان لا قدرة له ) . قال الراغب : الاستطاعة وجود ما يصير به الفعل ممكنا ، وعند المحققين اسم للمعاني التي يتمكن المرء بها مما يريده من إحداث فعل والاستطاعة أخص من القدرة ( كان منخلعا عن غريزة العقل ) كأنه عدمها ( ومنخرطا في سلك أهل الغباوة والجهل ) . وفي كتاب محجة الحق لأبي الخير القزويني ما نصه : أما الأصل الأول في معرفة كون الباري تعالى عالما قادرا ، والدليل عليه صدور الأفعال المحكمة المتقنة عنه مثل خلق السماوات والأرض وغيرها من الصنائع والبدائع في عجائب التركيب والترتيب ، ويدل ذلك قطعا على كون صانعها عالما بها قادرا عليها ، فإن من يرى خطا منظوما أو ديباجا منسوجا ويجوز صدوره من جاهل به عاجز عنه يكون عن حيز العقل خارجا وفي تيه الجهل والجا اه . وسياقه قريب من سياق المصنف إلا أنه جعل العلم والقدرة معا في أصل واحد . قال البكي في شرح الحاجبية : أعلم أن القادر عند أهل السنة هو المتمكن من الفعل والترك بحسب الداعي الذي هو الإرادة ، وإن شئت تقول : هو الذي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ، وتقول : هو الفاعل على مقتضى العلم والإرادة ، وأهل النظر العقلي من أهل السنة يقولون : إن كل ما تتوقف دلالة السمع عليه لا يكفي فيه السمع ، فأقوى دليل لهم على أنه تعالى قادر بذلك التفسير أن يقال : قد ثبت حدوث العالم كما مر فصانعه لو لم يكن قادرا للزم تخلف المعلول عن علته وهو محال أما الملازمة فلأن صانع العالم قديم فلو لم يكن على ذلك التقدير قادرا فكان موجبا بالذات لزم التخلف المذكور ، وأيضا لو كان موجبا لزم من ارتفاع العالم ارتفاعه لأن ارتفاع الملزوم من لوازم ارتفاع اللازم ، لكن ارتفاع الواجب محال .